كلام للبحوث والإعلام

Menu Close
معهد ليبيا للدراسات المتقدمة

الدكتور عارف علي النايض يتحدث في دافوس

فريق عمل كلام Mail Print
الدكتور عارف علي النايض يتحدث في دافوس
منتدى الاقتصاد العالمي

المنتدى الإقتصادي العالمي - دافوس 2015

المُحَاوِر: هناك أسباب كثيرة ليكون الدكتور عارف بيننا هذا المساء؛ وأحد هذه الأسباب كونه مواطناً ليبياً، ومهتماً أيضاً بمستقبل ليبيا، بالإضافة إلى أنه أحد أبرز المراقبين كثيري الأسفار الذين بوسعهم تقييم مايُعرَف بالإسلام السياسي والحركات الإسلامية في المنطقة؛ وكان قد ذكر بالأمس أن مايُسَمَى ب«تنظيم الدولة الإسلامية في العراق وسوريا» أو (داعش) قد امتدَ نفوذه إلى بلاده أيضاً، وذكر بالتحديد خمسة معاقل له في ليبيا؛ حيث لم يعد يقتصر فقط على الموصل في العراق، أو الرقة في سوريا، بل هاهو يصل إلى شمال أفريقيا أيضاً.

كيف ترى اتجاه الأمور،  وتقييمك للفكرة الشائعة بأنه علينا أن نختار بين أمرين؛ إما الثكنات أو المساجد؛ هل أنت مع هذا التوجه، أم تعتقد بأن هناك بدائلاً أخرى؟

الدكتور عارف النايض : بسم الله الرحمن الرحيم. في البداية أتقدم بخالص التعازي والمواساة للشعب السعودي الشقيق والأمة العربية لرحيل الملك عبدالله بن عبدالعزيز، وهو بحق شخصية عظيمة. كما أود، في هذا المقام، المداخلة بتعليقٍ، في عُجالة، عن الأنظمة الملكية ودورها في تعزيز الإستقرار؛ ففي العام 1969، ولسوء الطالع، فقدنا مليكنا، ادريس السنوسي، رحمه الله، حيث أُطِيحَ به من خلال انقلابٍ عسكري، ومن سوء حظنا عانينا لأكثر من أربعة عقود من تبعات ذلك الإنقلاب العسكري. والواقع أننا لازلنا حتى هذه اللحظة نحاول كتابة مسودة دستور في الوقت الذي كان لدينا دستور متكامل يعود إلى الخمسينيات من القرن الماضي.                                                            

على كل حال، نجد أنفسنا الآن، أمام بروز ظاهرة أكثر شراً تُسَمَى «تنظيم الدولة الإسلامية في العراق وسوريا» أو (داعش)؛ لكن من المهم، في اعتقادي، أن لا نتعامل مع هذه الظاهرة بوصفها حالة فريدة من نوعها في العالم العربي؛ فجزء من التعامل معها من منظورٍ واسع، أن نتعامل معها من منظورٍ تاريخي، من خلال البحث في تاريخ حضارات كثيرة، بما فيها الحضارة الغربية أو الأوروبية. وأنا شخصياً لا أرى في «تنظيم الدولة» أكثر من كونه تنظيماً فاشياً يتخفى تحت عباءة الدين، وأعتقد أن الأوقات العصيبة التي يمر بها عالمنا العربي في الوقت الراهن يمكن مقارنتها إلى حدٍ كبير بالحقبة التاريخية التي مرت بها القارة الأوروبية في مطلع القرن الماضي؛ فقوى الظلام التي أدت إلى ظهور الفاشية في كلٍ من ايطاليا، واسبانيا، وألمانيا هي نفس القوى الفاشستية التي تحمل اليوم معاول الهدم مُمَثلة في ما يُعرَف ب«تنظيم الدولة الإسلامية في العراق وسوريا». وليس من قبيل المصادفة أن عمليات الإعدام الجماعية، والتعذيب، وكافة مظاهر الإنحطاط التي أفرزتها ظاهرة (داعش)، تحمل جميعها بصمات الفاشية، وهي فاشية متجسدة بقوة في هذا التنظيم. ولذا أعتقد أن من المهم جداً أن لا يُنظر إلى تنظيم (داعش) كظاهرة اسلامية، أو أن نُضفي عليه صبغة اسلامية؛ فالأمر هنا يتعلق بالرغبة في ممارسة التسلط على البشر؛ وتزداد هذه الرغبة حدةً وضرواة كلما هيمن الشعور بعدم الأمان والخوف على عقول الناس. وأعتقد أن الأحداث التي تجري في منطقتنا، في كثيرٍ من الأحوال، تعطي مؤشرات جلية على غياب وفقدان المعنى والمضمون؛ ومن هذا المنطلق فإن اخفاق العديد من مؤسساتنا التقليدية، وخاصة المؤسسات الدينية والثقافية، لا يكمن فقط في اخفاقها في الحفاظ على بقاءها، وانما يكمن في فشل تلك المؤسسات في إعادة احياء رسالتها التاريخية، واستعادة دورها ومكانتها، بهدف تقديم أُطُر مجدية وذات مضمون ومغزى لجيل الشباب. وفي هذا الإطار، أرى أننا نمر بأزمتين؛ أزمة روحية وأزمة ثقافية، تُولِّدان حالة من العدمية، ناهيك عن أن ايدلوجية مايُسَمَى ب«تنظيم الدولة»، تقوم، ببساطة، على تفريخ العدمية والفراغ والتوجه نحو الموت بدلاً من التأكيد على الحياة، بينما الدين الإسلامي يؤكد على اعلاء قيمة الحياة؛ ونجد نفس مقاربات التأكيد على الحياة في المسيحية، واليهودية، والبوذية، وفي غيرها من الديانات. ولسوء الطالع، فحتى بعض مؤسساتنا التي ظلت تُعلي من قيمة الحياة البشرية وتحتفي بها، وتنشر مفاهيم السلام والفهم والتعايش المشترك بين الناس، وتدعو إلى قِيَم التراحم والتسامح والتواضع، استسلمت هي الأخرى لأفكار العدمية؛ والواقع أن مايُسَمَى  ب«تنظيم الدولة» يقتات على هذا الفراغ الروحي والثقافي للدعوة إلى أفكارهِ الهدامة؛ ولذا فإن أسهل، وفي نفس الوقت أسوأ، خيار ممكن أن نلجأ إليه يتمثل في استسلامنا لليأس، أو الإكتئاب، أو الإستخفاف بهذه المسألة برمتها؛ بل على العكس من ذلك، أعتقد أن هناك ثمة ما يدعونا للتفاؤل والأمل، حيث تتوفر مقومات ووسائل الصمود المتأصلة في ثقافة العالم العربي، وهي مقومات ووسائل على قدرٍ عظيم من الأهمية. كما أعتقد بتوفر نفس عناصر الصمود بين الأمهات العربيات؛ فقد التقت المواطنات الليبيات الاسبوع الماضي في الجمهورية التونسية، كما التقين من قبل منذ عدة أسابيع في جمهورية مصر العربية؛ وكان نقاشهن يؤكد بشكلٍ مدهش على الحوار، وترسيخ قِيَم التفاهم والتراحم، والتأكيد على أهمية الحياة الحفاظ على حياة البشر. لابد أن ننصت لهذه الأصوات التي كانت جزءاً لا يتجزأ من الربيع العربي، بيد أن الربيع العربي اختنق للأسف الشديد، بمجرد نجاح ثوراته، بانقضاض الحركات الفاشية التي ركبت موجة الثورات العربية وحرمت الشعوب من إيصال أصواتها.

الآمال معقودة على قدرة شبابنا على الصمود؛ فليس صحيحاً أن الشباب العربي يمكن استدراجه من قِبَل مايُسَمَى ب«تنظيم الدولة» فالقلة المحدودة والضئيلة جداً التي وقعت في حبائل (داعش) لا تعبر أبداً عن محيطٍ هادر من الشباب العربي الرافض لذلك التنظيم جملةً وتفصيلاً؛ الشباب العربي يرفضون (داعش) ويتصدون له، لكنهم للأسف لا يسمعون نقاشات ذات مغزى ومضمون من الشرائح الأكبر سناً في مجتمعاتهم؛ لا يسمعون سوى اللغو من بعض أدعياء العِلم؛ وحتى المواعظ الدينية التي يسمعونها لاتصل إلى قلوبهم، كما أن المؤسسات التي كانت مُبَجَلة بين الناس في الماضي صارت بالنسبة لهم مجرد كليشيهات. لذا، نحتاج إلى تجديد ثقافتنا وخطابنا وايصال المعاني الصحيحة لهؤلاء الشباب، وأول ماينبغي القيام به هو الإستماع لأصواتهم. وهذا هو الشكل الثاني من أشكال الصمود الذي يجب استحضاره.

الأمر الثالث وهو أمر مهم للغاية يتمثل في احترام مفهوم المجتمعات المحلية؛ فأنتم تعرفون أن الدولة التي تحاول أن تخطط وتفرض إرادتها بشكلٍ فوقي متسلط هي شكل آخر من أشكال الفاشية، وتجسد الرغبة في التسلط على الشعب؛ نحن بحاجة للإستماع إلى أصوات المجتمعات المحلية، سواء تمثلت في محافظة، أو بلدية، أو مدينة، أو عشيرة، أو قبيلة. كما أننا بحاجة إلى احترام هذه القوى المحلية بوصفها تُشَكِّل المكون والنسيج الإجتماعي للوطن، ومن ثم يمكن البناء على ذلك والشروع في حوارٍ حقيقي يشمل كافة ألوان الطيف المجتمعي بما يؤدي إلى الوصول إلى التوافق الذي ينتج عنه دساتير يمكن التأسيس عليها لبناء دولة قوية.

ولهذا الغرض نحن بحاجة إلى استدعاء كل هذه الأمور؛ والأهم من ذلك كله الإبقاء على جذوة الأمل مشتعلة في نفوس الناس، والعمل بإيجابية، ومد أواصر الخير والرحمة؛ وهذا هو السبب في أننا جزء من مجتمع دافوس.

بمقدورنا الإنتصار على شبكات الظلام من خلال شبكات التفاهم والتقدير والإحترام المتبادل.

أشكركم

المُحَاوِر: شكراً لك دكتور عارف

تصفيق من الحضور

اشتراك بالنشرة الأخبارية

x